منذ أن أصبح العمل والطموح المهني الهاجس الأكبر في حياتنا، أصبحت جلسات الأصدقاء والعائلة لا تخلو من الحديث عن خيبات الأمل أو عدم الرضا عن الوظائف التي نجد أنفسنا فيها أو حتى عن أحلام الهروب من “الكوربرت لايف”.
و”الكوربرت لايف” هنا، هي بيئات العمل المؤسسية التي تضم جيوشًا من الموظفين، يعملون بها لساعات طويلة، ويغادرون مع اقتراب موعد مغادرة الشمس بعد أن يحرقهم لهيب الضغط النفسي وبيروقراطية الإجراءات. تدخل إلى مكتبك صباحًا مستعينًا بكوب قهوة من ستاربكس، وتفتح اللابتوب لتجد سيلاً من الإيميلات التي أُرسلت بين الساعة 7 و11 من الليلة السابقة، ثم يأتيك صوت مديرك قائلاً: “إلى مكتبي.. الآن.. احضر معك لابتوبك”.
وبغض النظر عن أننا أصبحنا جميعًا نحلم بأحلام مشابهة عن حياة حرة بعيدة عن تلك البيئات، نجد منشورات الإنترنت والمؤثرين الذين يحاولون إقناعنا أن كل ما يفصلنا عن الحياة التي نريدها هو “الشجاعة”. فقط تحتاج للبحث عن شغفك وترك حياة العمل التقليدية وراءك.
عقلية صاحب الشغف vs عقلية صاحب الصنعة
في كتابه الشهير “أروع من أن يتجاهلوك” (So Good They Can’t Ignore You)، يفنّد الكاتب «كال نيوبورت» فكرة الشغف ويطرح بدلاً منها فلسفة “عقلية صاحب الصنعة”. ومن خلال كتابه، يناقش كيف أن السعي وراء الشغف يمكن أن يؤدي إلى تشتت وضياع مهني، بينما إن ركز الشخص على صقل مهاراته، فسيحقق الرضا المهني الحقيقي. هذه التدوينة ستتناول أهم أفكار الكتاب، بهدف تجديد النظر في كيفية بناء حياة مهنية مُرضية وممتعة.
معادلة السعادة المهنية
معظم الدراسات في مجال السلوك الوظيفي وبيئات العمل لم تذكر الشغف كعامل رئيسي للرضا المهني، بل تركز على عوامل أخرى، منها:
- الإبداع: مقدار المساحة التي توفرها الوظيفة للإبداع والقيام بالأمور بطريقة جديدة.
- الأثر: مدى قدرتك على إحداث تأثير إيجابي في عملك.
- التحكم: مدى حريتك في اتخاذ قراراتك المتعلقة بالعمل، سواء في أوقات العمل أو في اختيار المقابل المالي.
وتعتبر التحكم العامل الأهم. إذا استطعت الحصول على هذا التحكم، ستتمكن من تحقيق الإبداع وترك الأثر في عملك. ولذلك، تنصح فلسفة «نيوبورت» بأن الشغف يأتي لاحقًا. عندما تركز على بناء مهارات نادرة وقيمة، سيصبح لديك الحرية في العمل، وتزداد فرصك للإبداع، مما ينشئ شغفك بمرور الوقت.
ما لون مظلتك؟
ظهر مفهوم “الشغف” بشكل بارز في السبعينيات من خلال كتاب «ما لون مظلتك؟» للكاتب الأمريكي «ريتشارد بولز»، والذي ركز على فكرة تغيير المهنة بناءً على ما تحب. هذه الفكرة، التي ركزت على اكتشاف ما تحب ثم السعي خلفه، أصبحت ركيزة أساسية في الفكر المهني الحديث. ومع ذلك، كما يناقش «نيوبورت»، فإن السعي خلف الشغف لم يعطِ النتائج المتوقعة من حيث الرضا المهني، بل على العكس، أدى إلى تزايد مشاعر الإحباط لدى الكثيرين.
فشل عقلية الشغف في حل مشاكلنا
عقلية الشغف ترتكز على سؤال: “ما الذي يمكن للعالم أن يقدمه لي؟” أي أنها عقلية متمركزة حول الذات. وعندما نركز فقط على ما يمكن أن تقدمه الوظيفة لنا، فإننا بذلك ننتبه فقط إلى الأشياء التي لا نحبها في عملنا، مما يسبب لنا الإحباط. هذا واضح في حال الموظفين المبتدئين الذين لا يمتلكون الاستقلالية أو التأثير، وهم أكثر عرضة للشعور بالفشل.
كيف تخلق عقلية صاحب الصنعة سيناريو مختلف؟
عقلية صاحب الصنعة، على العكس، تبدأ من سؤال: “ما الذي يمكنني تقديمه للعالم؟” هذه العقلية تركز على المخرجات وجودتها، وليس على البحث المستمر عن الشغف. تبني هذه العقلية يجلب لنا التحرر من عبء التمركز حول الذات ويجعلنا نكرس جهودنا في صقل مهاراتنا واتقان عملنا.
بين مدربة اليوغا والمصمم الجرافيكي
عند النظر إلى تجارب مختلفة، نرى أن هناك نوعين من الأشخاص:
- ليزا فيوير: قررت ترك مهنتها في التسويق واتباع شغفها في اليوغا. لكنها بدأت من الصفر دون رأس مال مهني، وعانت صعوبات كثيرة بسبب الركود الاقتصادي واضطرت للاعتماد على برامج الإعاشة.
- جو دافي: بدأ حياته في مجال التسويق، ثم ركز على صقل مهاراته كرسّام ومصمم شعارات. استثمر رأس ماله المهني في إنشاء شركة خاصة به، وحقق نجاحًا باهرًا.
الفرق بينهما هو أن «دافي» بدأ مع رأس مال مهني متين، بينما «فيوير» بدأت من نقطة الصفر في مجال جديد تمامًا.
دليل لبناء رأس المال المهني
لبناء رأس مال مهني، يجب اتباع الخطوات التالية:
- افهم سوقك: يختلف سوق “البقاء للأقوى” عن سوق “المزاد”. في السوق الأول، قيمة الشخص تكمن في احترافية مهارة واحدة، مثل كتابة السيناريو، بينما في السوق الثاني، يتطلب التميز عبر عدة مهارات.
- الممارسة المتعمّدة: لا يكفي التعلم بشكل سطحي، يجب أن تتحدى نفسك وتتعلم بشكل مكثف.
- رفض الفرص البراقة: لا تنجرف وراء الفرص التي قد تعيق جهودك في بناء رأس المال المهني، وتذكر أن الصبر هو سر النجاح.
حالات يصعب فيها بناء رأس المال المهني
هناك حالات يُفضل فيها ترك العمل إذا توفر فيها:
- وظيفة لا توفر فرصًا لتميّزك.
- الوظيفة تركز على مهام عديمة الفائدة أو ضارة.
- العمل مع أشخاص لا تستطيع تحملهم.
استثناءات
بالطبع هناك استثناءات مثل الرياضيين والفنانين الذين يحققون النجاح بناءً على شغفهم منذ الصغر. ولكن، هذه الحالات نادرة ولا تشكل القاعدة.
الخلاصة
الشغف ليس هو الجواب السحري لتحقيق الرضا المهني، بل هو نتيجة للاستثمار في بناء مهارات نادرة وقيمة. إذا أردت حياة مهنية أكثر سعادة ورضا، ركز على تطوير مهاراتك، وتأكد أن الشغف سيتبعك مع مرور الوقت.






ما رأيك؟
إظهار التعليقات / اترك تعليقًا