عزيزي القارئ، أعتقد أن الوقت قد حان لأحدثك عن حبي المتأجج للمكانس الكهربائية. لو كنت شاعرًا، لكتبت قصيدة ترصد افتتاني الأبدي بمنظر المكنسة وهي تشفط الأوساخ بكل انسيابية ساحرة، كأن شيئًا لم يكن. لتشهد بعدها أرضية صافية مليئة بالاحتمالات، وبريق يغري بالبدايات، ورحابة تلملم التائهات. حسنًا، لنحمد الله أنني لست شاعرًا!
بعيدًا عن هذا المشهد الرومانسي للمكنسة وهي تسحب الأوساخ من أجلنا، أُحب المكنسة لأنها علمتني الكثير عن آليات التأقلم، أو ما يُعرف بالـ (Coping Mechanisms).
ما هي آليات التأقلم؟
آليات التأقلم هي الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الضغوطات الداخلية (النفسية) أو الخارجية من بيئته المحيطة بهدف التحكم في سلوكه أو الحصول على راحة نفسية. يمكن أن يكون تبني آلية تأقلم ما خيارًا واعيًا أو غير واعٍ، وغالبًا ما يختار الناس آلياتهم في التأقلم بدون وعي، ولا يدركون أن بعض السلوكيات التي يقومون بها هي في الواقع آليات تأقلم.
فكر في اللحظات الصعبة التي مررت بها: خوف، حزن، يأس، غضب، إحباط، أو حتى ضغوطات وتوترات. ما هي السلوكيات التي تلجأ إليها في هذه اللحظات؟ هل تهرع إلى علبة السجائر لتدخن بشراهة؟ هل تلجأ إلى الطعام لتلتهم كل ما أمامك؟ هل تبدأ بالتسوق وتشتري أشياء ليست بحاجة لها؟ أو هل تفرغ نفسك في العمل؟ أو ربما تنعزل، أو تغرق في مشاهدة الأفلام أو ألعاب الفيديو؟
إذا سألتني، سأقول لك أنني كنت دائمًا الشخص الذي يهرب من الأزمات بالنوم. في كل مرة أواجه فيها أزمة، كانت آلية تأقلمي تتمثل في المخدة الناعمة والفراش الدافئ. حتى وإن لم أشعر بالنعاس، كان البقاء في السرير ومحاولة النوم لساعات طويلة يبدو لي حلاً أنجع من محاولة معالجة المسألة التي أهرب منها.
من المخدة إلى المكنسة
لكن، في مرحلة لاحقة، وجدت نفسي أهرع إلى المكنسة الكهربائية عندما تمر بي لحظات صعبة. بدأت في تنظيف المنزل بشكل مفرط: غرفة غرفة، حمام حمام، دولاب دولاب. أحيانًا ترافقني أم كلثوم في هذه الفقرة اليومية من حياتي، وأحيانًا أدع عقلي يتجول في دهاليز كتاب صوتي، وأحيانًا أختار السكون التام، إلا من صوت المكنسة التي تحبها قلبي.
الانتقال إلى آلية المكنسة
مرت ظروف حياتية جعلتني أقضي وقتًا أكبر في تنظيف المنزل، وكان لهذا التغيير الطفيف أثر كبير على نفسيتي ومشاعري. لاحظت أن ردود فعلي تجاه الضغوطات واللحظات الصعبة تغيرت تمامًا عندما انتقلت من “آلية المخدة” إلى “آلية المكنسة”.
عندما أمر بحالة نفسية سيئة وأقرر التنظيف، على الرغم من مشاعري السلبية، أشعر أنني أمتلك مساحة للتفكير، وأستطيع أن أراجع مشاعري وأفكاري. أحيانًا ينتشلني مقطع خلاب من رواية صوتية أو فكرة جديدة أكتبها في مفكرتي. التغيير في البيئة حولي يعكس تغيرًا داخليًا في مزاجي.
وعندما أنتهي من تنظيف المكان وأراه مرتبًا ونظيفًا، أشعر بالإنجاز. ليس فقط لأن الفوضى الخارجية تؤثر على الفوضى الداخلية، ولكن لأنني شعرت أنني قمت بفعل شيء. هذه الخطوة الصغيرة تمنحني الأمل، وتساعدني على مواجهة المشكلة التي كنت أهرب منها.
آلية المخدة: الخداع والتخدير
في المقابل، كانت “آلية المخدة” مجرد وسيلة للهروب. النوم ليس مشكلة في حد ذاته، بل على العكس، فإن العقل اللاواعي يعالج الكثير من الأفكار أثناء النوم، والجسد أحيانًا يحتاج إلى ساعات نوم إضافية لتعويض “دَين النوم”. لكن المشكلة تكمن عندما يتحول النوم إلى وسيلة هروب، حيث يصبح تخديرًا للمشاعر والأفكار والوقت، مما يكرس مشاعر الكآبة.
السيطرة تحت الضغط
لا يوجد إنسان ليس لديه آليات تأقلم. في اللحظات الانفعالية أو الصعبة، من الصعب أن نفكر بشكل منطقي، وبالتالي نلجأ إلى “مخرج ما” يعيننا على تجاوز تلك اللحظات. ولكن السؤال هنا: هل اخترنا هذا المخرج بوعي أم تركنا له القرار ليختارنا؟ هل نتبنى آليات تأقلم بنّاءة تساعدنا على التكيف والتعامل مع الضغوطات، أم نتبنى آليات هدّامة تعمق المأزق النفسي والجسدي؟
الآليات البناءة والهدامة
إلى جانب الآليات التي تُخدّر وتُفسد، أعتقد أن غالبية آليات التأقلم هي خيّرة في ذاتها. لكن النجاح يكمن في كيفية استخدامها. على سبيل المثال، ممارسة الرياضة لتخفيف الضغوطات هي آلية تأقلم بناءة، ولكن إذا تم تبنيها كوسيلة للهروب من مواجهة الأمور، تصبح هدامة. وكذلك بالنسبة لألعاب الفيديو: إذا كانت وسيلة للترويح عن النفس وتغيير المزاج، فهي بنّاءة. أما إذا كانت وسيلة للهروب الطويل من المواجهات، تصبح هدامة.
أهمية العلاقات المقربة
وفي النهاية، على الرغم من تنوع آليات التأقلم التي نختارها – والتي قد تختلف من مرحلة إلى أخرى في حياتنا – تظل العلاقات المقربة أحد أهم مصادر الدعم التي نحتاج إليها طوال حياتنا. فحتى عشرين مكنسة كهربائية، لا يمكن أن تعادل تأثير رسالة حميمية من شخص عزيز يسأل بصدق: “هل أنت بخير؟”.






ما رأيك؟
إظهار التعليقات / اترك تعليقًا