في أرض صحراوية شاسعة، خالية من أي شيء، إلا من سيارتين جيب مطفأتين، سجادة فارسية كبيرة يتقاسمها أربعة أشخاص، مساند للظهور المنهكة، وأكواب شاي معدة على الجمر، كان الحوار يدور بيني وبين “الزحوفي”. هذا الرجل، الذي هو خبير بمجموعة النجوم السماوية، كان راوٍ متمكن لقصصها مع أهل الصحراء، وجمعتني به حكاياته في ليلة باردة ظلماء، لا ينيرها إلا نصف قمر. حكاياه كان لها طابع خاص، لا يخلو من التشويق والإثارة.
إذا كنت قد جالست يومًا شخصًا مثل “ماجد الزحوفي”، فستغرق في العديد من القصص عن النجوم وتاريخها مع البشر، وعن العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بالسماء. تلك العلاقة التي تجعل السماء مرآة تعكس قصص الحب والحروب، وتفيض بالعبر التي تتخطى الحدود الزمانية والمكانية.
من بين هذه القصص، كان هنالك واحدة استوقفتني كثيرًا، قصة عن الشاعر “راشد الخلاوي”، الذي عاش في القرن الثامن هجري. كانت قصته وحكمته في التعامل مع الحياة والأشياء التي تهمه ذات مغزى عميق، مما دفعني للتفكير في بعض القيم المهمة التي يمكن أن نستفيد منها في عالمنا المعاصر.
الشاعر ولغز المخبأ
في العادة، كان العرب يورثون أسلحتهم لأبنائهم، ولكن الشاعر “راشد الخلاوي”، الذي كان ضليعًا في علوم النجوم، شعر أنه سيغادر الحياة قبل أن يبلغ ابنه سنًا يسمح له بحمل السيف. لذلك قرر أن يخبئ السلاح في مكان يصعب العثور عليه، وترك لزوجته أبياتًا تشير إلى مكان المخبأ، لكي تعلمها وتخبر بها الابن عندما يسأل عن سلاح أبيه.
عندما جاء اليوم الذي طلب فيه الابن السلاح، أنشدت الأم الأبيات التالية:
عن طلحة الجودي تواقيم روحه
عليها شمالي النسور يغيبْ
وعنها مهبّ الهيف رجمٍ وفيضه
وحروري إن كان الدليل نجيبْ
بدأ الابن بحل اللغز، وبعد جهد وجد المخبأ.
ماذا لو تبنت الشركات هذا النهج؟
هنا يمكننا طرح سؤال مهم: ماذا لو تبنت الشركات والمؤسسات منهج “الخلاوي” في التعيينات؟ في كثير من بيئات العمل، يُقال أنهم يعينون بناءً على الجدارات والأهلية، وخاصة للمناصب القيادية والإدارية. ورغم التقدم الذي أراه في هذا الصدد، إلا أن واقع التعيينات يشير إلى وجود الكثير من المحاباة أولًا، ومن ثم تأهيل غير مناسب في بعض الأحيان.
على سبيل المثال، كم مرة شاهدت رئيسًا لقسم معين لديه معرفة تقنية مذهلة لكنه يفتقر تمامًا لمهارات إدارة المشاريع أو قيادة الفرق؟ للأسف، بسبب ضغوطات العمل والتوقعات العالية من القيادة، تتخذ بعض الشركات قرارات تعيين سريعة وبدون تخطيط دقيق، ما يؤدي إلى تعيين شخص لم يكن مؤهلاً بما يكفي لحمل “سلاح” القيادة، ما يعكس مدى أهمية التخطيط والاختيار السليم.
التعيين الإداري والقيادي: القوة والمسؤولية
أعتقد أن المنصب الإداري/القيادي هو سلاح حقيقي، يمتلك الشخص فيه القدرة على إحداث التغيير. لذلك، كان “الخلاوي” محقًا في ضرورة أن تكون القوة مصحوبة بذهنية يقظة وفطنة، وتلك القوة لا تقتصر فقط على القدرة على إصدار الأوامر، بل تتطلب أيضًا مجموعة من السمات الشخصية والمهارات المعرفية.
فعندما كان “الخلاوي” يخفي سلاحه، كان يتطلب الأمر مهارات متنوعة: من الفهم العميق للغة، إلى معرفة تحركات النجوم، ومهارات التفكير النقدي، والإصرار في البحث. هذه كلها سمات كانت ضرورية للحصول على السلاح، وكذلك هي السمات التي يجب أن يمتلكها الشخص الذي يُعين في منصب قيادي.
التعيين وفقًا للجدارات وليس المحاباة
في سياق التعيين في المناصب القيادية، يتطلب الأمر الكثير من الوعي في اختيار الأشخاص المناسبين بناءً على الجدارات الحقيقية وليس “المناسبات” أو المحاباة. القوة التي تأتي مع المنصب الإداري تحتاج إلى معرفة قوية بالسياق الذي يعمل فيه الشخص، بالإضافة إلى مهارات التواصل، التفكير الاستراتيجي، والقدرة على الإقناع.
في كثير من الأحيان، لا يوجد مرشح جاهز تمامًا بنسبة 100% لمنصب معين، فدائمًا ما يكون هناك مجال للنمو والتطور، وهذا أمر طبيعي. لكن المشكلة تكمن عندما يُعتقد أن أي شخص يمكنه التعلم ليصبح ماهرًا في أي مجال. في الواقع، ليس كل شخص قادر على أن يكون قائدًا أو مفكرًا استراتيجيًا فقط لأنه تلقى التدريب اللازم.
الاستعداد للقيادة
لذلك، إذا كنت في موقع اتخاذ قرارات تعيين، يجب أن تسأل نفسك: “إذا كان هذا المنصب سلاحًا، هل يملك هذا الشخص المؤهلات التي تخوله لحمله واستخدامه بشكل سليم؟”
ملاحظة: يقول البعض أن قصة تخبئة السلاح غير حقيقية وأنها من نسج خيال الرواة. والله أعلم.






ما رأيك؟
إظهار التعليقات / اترك تعليقًا