قد يكون السؤال حول “متى يشعر الإنسان بالاستقرار؟” من الأسئلة التي يمر بها الكثير من الأشخاص في مختلف مراحل حياتهم. ورغم أن الإجابة على هذا السؤال قد تختلف من شخص لآخر، إلا أنني أعتقد أن الإجابة تتضح بالتجربة والاكتشاف، واكتشاف النفس على وجه الخصوص.
ففي الفترة الأخيرة، وجدت نفسي أفقد بعضًا من وصلاتي مع الخالق، ومع ذاتي، ومع الآخرين. فبالنسبة لي، هذه الثلاثة تعتبر الأعمدة الأساسية لتكوين هوية الإنسان. وأجد نفسي الآن في طور التشويش، وهو ما يؤثر بشكل كبير على شعوري بالاستقرار والراحة.
ورغم أنني شخص بطبيعتي محب للحياة، فإن العديد من الأمور قد بدأت في الانطفاء أمامي مؤخرًا. وبالتالي، أجد نفسي كثيرًا ما أتقلب بين رغباتي وتطلعاتي. ففي حوار عابر مع أحد الأصدقاء، سألني عن انتمائي، فقلت له ببساطة: “أنتمي إلى العائلة والفن”. وعندما سألني شخص آخر عن ماذا سأفعل إذا تركت عملي الحالي، كانت إجابتي: “أريد فتح مخبز أو ورشة حِرف يدوية”.
قد تكون هذه الرغبات تشير إلى أن بؤرة استقراري تكمن في العائلة والفن، وربما هما الأساس الذي يحدد هوية الاستقرار بالنسبة لي.
ثلاث علاقات أساسية لتكوين الاستقرار
أرى أن استقرار الإنسان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات التي تنشأ بينه وبين ثلاثة أمور أساسية: الخالق، الذات، والخلق. ولتحقيق الاستقرار الحقيقي، يتطلب الأمر بناء هذه العلاقات واستمرار التواصل معها وتنميتها بشكل دوري. مع مرور الوقت، قد يواجه الشخص تشويشًا في هذه العلاقات، مما يؤثر سلبًا على شعوره بالراحة والطمأنينة.
التوازن بين اتخاذ قرارات حاسمة والمرونة
أحيانا أفكر: هل يجب اتخاذ قرارات صارمة لتحديد وجهتي، أم أن المرونة هي التي يجب أن تكون سمة حياتي؟ هل من الضروري أن أكون صارمًا في قراراتي، أم أن الحياة تتطلب المرونة في التعامل مع المواقف؟ أم أنه من الأفضل أن نمتلك القدرة على “الشّدّ والإرخاء” بين الحين والآخر؟ شخصيًا، أعتقد أنه من الضروري أن نجد التوازن بين الحسم في القرارات والمرونة في التعامل مع التحديات.
تجربتي الشخصية في التعايش مع الواقع
أحد الأمثلة التي تساعدني على فهم الاستقرار هو تعايشي مع بعض الظروف التي قد تكون صعبة. على سبيل المثال، أعيش في غرفة بها نافذة واحدة تطل على مشهد غير مُرضٍ، وتفتح نافذتي على ضجيج الشارع. لكن مع مرور الوقت، تعلمت كيف أتعايش مع هذه الظروف وأقضي معظم وقتي في الغرفة دون التفكير في العيوب. حتى غرفة النوم التي أعيش فيها ليست مثالية: لا أملك مكتبًا أو مساحة كبيرة. ومع ذلك، لا أشتكي، بل أتقبل الوضع كما هو وأعمل بما هو متاح لي. سألت نفسي في العديد من الأحيان: هل أنا أعاني؟ والجواب الذي أتوصل إليه هو أنه عندما تختار التعايش مع ما هو متاح، تصبح المعاناة أقل وضوحًا.
السعادة والقبول بما هو موجود
كما قال سيث غودين: “أنا سعيدٌ سعادةً تفوق التصور، وقد كنت على هذا الحال منذ سنين طويلة. لقد قررت أني سأكون سعيدًا، فأصبحت سعيدًا. ولم يحدث الأمر بالإتجاه المعاكس.” هذه العقلية هي التي دفعتني للتعامل مع حياتي كما هي الآن، حيث قررت أن أكون سعيدًا بما أملك بدلاً من انتظار الظروف المثالية.
البحث عن الحلول في ظل المعاناة
حين بدأت العمل الحر، واجهت العديد من التحديات، مثل عدم وجود حساب بريد جاري في الجزائر، مما جعلني أبحث عن بدائل. بدلاً من الاستسلام للواقع، طلبت المساعدة من والدي حتى أتمكن من استلام الأموال، وهذا كان الحل المتاح في تلك الفترة. وكلما واجهت صعوبة، كنت أبحث عن بديل بدلًا من التذمر. فمثلاً، عند عدم وجود إنترنت ثابت في المنزل، استخدمت موديم الجيل الرابع من أوريدو، ورغم أن سرعته منخفضة بعد انتهاء الباقة، إلا أنه كان الحل المتاح واستمررت في العمل دون أن أسمح لهذه الصعوبة بتوقف حياتي.
لا مكان للشكوى في الحياة
أعتقد أن الشكوى ليست الحل أبدًا، فالحياة مليئة بالصعاب، ولكن دائمًا هناك حل بديل. إذا لم يكن لديك حاسوب، استخدم الهاتف، وإذا لم يكن لديك المال لشراء دورة تدريبية، ابدأ بما هو متاح على الإنترنت. الحياة ليست كاملة، لكنها ليست مستحيلة أيضًا.
الخلاصة
الاستقرار ليس في التمتع بكل شيء مثالي، بل في القدرة على التعايش مع ما هو موجود والتكيف معه. لن تستطيع الحصول على كل ما تريد في كل الأوقات، لكن العمل بالمتاح والمضي قدمًا هو ما يصنع الفرق. الحياة أقصر من أن تقضيها في الشكوى، ولذلك عليك أن تبدأ بما هو متاح وتعمل على بناء استقرارك الشخصي خطوة بخطوة.
سؤال اليوم: هل مررت بتجربة صعبة، لكنك وجدت حلاً لها وتعلمت كيف تعيش معها؟ شاركنا بتجربتك في التعليقات.






ما رأيك؟
إظهار التعليقات / اترك تعليقًا