جار التحميل

نزيفٌ على لوحة المفاتيح

svgأبريل 8, 2025مواقف وذكريات

في الثامن من أبريل، كنت جالسًا أمام اللابتوب أعمل بصمت، لا شيء مختلف عن أي يوم آخر سوى ذلك السكون الثقيل الذي يخيّم على المكان، وكأن الوقت نفسه توقف عن التنفس. وبينما كانت أصابعي تتحرك بلا تركيز على لوحة المفاتيح، شعرت فجأة بسخونة غريبة تجتاح أنفي، ثم قطرة دم سقطت على الحروف، تلتها ثانية وثالثة، وفجأة أصبحت لوحة المفاتيح أشبه بمسرح جريمة صامت.

حاولت إيقاف النزيف بيدي المرتجفة، لكن الدم كان عنيدًا، يتدفق بلا توقف، وكأنه قرر أن يغادرني دفعة واحدة، شعرت بالذهول، بل باللاشيء، ثم بدأت الأرض تميل، والهواء يضيق، والغرفة تدور حولي ببطء كأنها ترقص رقصة حزينة لنهاية غير معلنة.

كنت وحدي تمامًا.

هذه ليست المرة الأولى التي أواجه فيها الألم، لكنّها من المرات القليلة التي شعرت فيها أنني لست فقط بلا أحد، بل بلا قيمة حتى لمن كنت أظن أنهم الأقرب، أولئك الذين كنت أراهم سندًا، اختفوا في اللحظة التي كنت فيها في أشدّ الحاجة إلى وجودهم. لا اتصال، لا سؤال، لا اهتمام، فقط صمت يشبه الجنازات، وجدران باردة تراقبني وأنا أضعف.

الدوار أخذني شيئًا فشيئًا، والضغط في رأسي كان كأنه مطرقة تطرق أبوابًا مغلقة منذ زمن، وكل شيء داخلي يصرخ أنني على وشك السقوط، لا مجازًا، بل فعليًا.

جلست على البلاط البارد، لا لأرتاح، بل لأنني لم أعد أستطيع الوقوف، وأفكاري تزدحم بخيبات متراكمة، وشعور حاد بأنني منسيّ، كأن هذا النزيف كان طريق الجسد للبوح عمّا بداخله من وجع لا يُرى.

مرت الدقائق ثقيلة، والساعة كأنها تأبى أن تتحرك، والدم مستمر، وصوت في داخلي يهمس بسخرية: “هكذا ينتهي الإنسان… لا بضجة، بل بنزيف صامت ووحدة قاتلة”.

لكنني لم أنتهِ.

رغم كل ذلك، ورغم طعم الحديد في فمي وثقل رأسي وانقباض قلبي، لا زلت هنا، أكتب.

وإن كانت الوحدة تلتف حولي كظلّ لا يغادر، فقد بدأت أتعلم كيف أراها لا كعدو، بل كرفيقٍ صارم، يضعني وجهًا لوجه أمام نفسي.

اليوم، وأنا أتنفس رغم الألم، أدركت أن البقاء ليس دائمًا انتصارًا صاخبًا، أحيانًا يكفي أن تبقى… بصمت، بصبر، وبقلبٍ خذله الجميع ولم يخذلك.

svg

ما رأيك؟

إظهار التعليقات / اترك تعليقًا

اترك رداً

svg
تنقل سريع
  • 01

    نزيفٌ على لوحة المفاتيح