في مقال مميز للكاتب كريس أبو زيد، طرح تساؤلاً مثيرًا: هل المعاناة جزء أساسي من عملية صنع الفن؟ وما هي العلاقة بين الألم والفن؟ بعباراته الساخرة والفكاهية، يستعرض كريس فكرة أن الأدب والفن – وخاصة الأدب العظيم – غالبًا ما ينشأ من تجارب صعبة، أليمة، ومريرة مر بها الكُتّاب، فيرى أن الإبداع الحقيقي ينشأ غالبًا من المعاناة.
الجنون والكوكايين: وصفة كريس للإبداع
بدأ كريس مقاله بتأكيد مثير بأن “الحياة بطريقة صحية وآمنة أفسدت الأدب”. في ظل حمى الاهتمام باللياقة البدنية والصحة النفسية، يتساءل: هل كان بإمكان كبار الأدباء مثل “كافكا” و”فيرجينيا وولف” أن يكتبوا روائعهم لو كانوا يعيشون حياة صحية وآمنة؟ بالطبع لا، حسب رأيه. فيسخر من فكرة أن الأدب العظيم يحتاج إلى ممارسة الرياضة والعيش في سعادة، قائلاً إن الأدب الحقيقي يحتاج إلى معاناة، ألم، وتخبط.
أكمل كريس استعراضه للمأساة باعتبارها جزءًا أساسيًا من الإبداع، مشيرًا إلى أن أفضل الأعمال الأدبية لا يمكن أن تكتب في حياة خالية من الألم والتعقيد. وقدم نصائح طريفة لصناعة معاناة الكاتب، من الحروب النفسية الداخلية إلى المآسي في الطفولة، حتى الديون، الكحول، والمخدرات، والرفض. بل إنه ذهب إلى حد السخرية من فكرة أن حياة الكاتب الخالية من المعاناة قد تكون حياة غير قادرة على إنتاج الأدب العظيم.
قراءة بين السطور
على الرغم من الطابع الفكاهي للنص، يلمح كريس إلى حقيقة عميقة أن الفن العظيم قد يتطلب نوعًا من المعاناة والمرونة النفسية الكبيرة للتعامل مع القسوة الحياتية. فالأدب والفن، وخاصة الأشكال الأكثر إبداعًا وتجديدًا، غالبًا ما يكونان انعكاسًا لتجارب شخصية مؤلمة، سواء كانت مهنية، عاطفية أو حتى معاناة نفسية.
ماذا عن المعاناة في حياتنا اليوم؟
الكاتب هنا لا يطلب منك أن تختار حياة مليئة بالتعاسة، لكنه يشير إلى أنه في لحظات المعاناة الحقيقية، يمكن تحويل الألم إلى إبداع، وعوضًا عن الهروب منه، يمكن للفن أن يكون ردًا أو علاجًا لهذه التجارب الصعبة.
هل الفن يجب أن ينبع من المعاناة؟
هذه هي النقطة الجوهرية في المقال: هل يصح القول أن المعاناة هي الشرط الأساسي للإبداع؟ بالطبع، في مجال الأدب والفن على وجه التحديد، كانت العديد من الأعمال العظيمة محكومة بمعاناة شخصية حقيقية. لكن لا يجب أن يقتصر الفن على المعاناة فقط، فقد يكون الفن أيضًا نتيجة للراحة النفسية والتوازن الداخلي. من الممكن أن يخرج الإبداع من أوقات الرفاهية، ولكن كيف يمكن أن يتم توظيف هذه اللحظات بطريقة تُثري التجربة الإنسانية؟
معاناة جديدة للفن: المآسي الأخرى
بخلاف المآسي التي ذكرها كريس (الديون، الخيبات، العلاقات الفاشلة)، يمكن أن تكون هناك أنواع أخرى من المعاناة تساهم في خلق الفن. مثل المعاناة الناتجة عن الاغتراب الثقافي أو المعنوي، العزلة، وحتى الحروب الفكرية أو الاجتماعية. أيضًا يمكن أن تكون الحياة المليئة بالإحباطات غير المرتبطة مباشرة بالمعاناة الجسدية أو النفسية مصدرًا لإبداع شخصي عميق.
خلاصة
إذن، هل يحق لنا أن نربط بين المعاناة والفن بهذا الشكل المطلق؟ في النهاية، قد يكون ما يسعى له كريس في مقاله هو دعوة للتصالح مع كل جوانب حياتنا البشرية، بما فيها تلك التي نراها قاسية. فهي ليست هروبًا أو فشلًا، بل مسارًا لصنع شيء فني وجميل، قد لا يكون نتيجةً للحياة المثالية المريحة، بل بالأحرى تعبيرًا عن كيفية تجاوزنا للمعاناة وتحويلها إلى قيمة.
لذلك، ربما لا نحتاج لأن نكون معذبين لصنع فن عظيم، لكن ربما علينا أن نكون مستعدين لتحويل المعاناة إلى أداة إبداعية تمكننا من فهم الحياة في أعماقها.






ما رأيك؟
إظهار التعليقات / اترك تعليقًا